السيد حيدر الآملي
278
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
التّواب الرّحيم . الخامس ، قول عائشة : لمّا أراد اللَّه تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت حينئذ ربوة حمراء ، فلمّا صلَّى ركعتين استقبل ( القبلة ) البيت ، وقال : اللَّهم إنّك تعلم سرّي وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي ، وتعلم ما في نفسي ، فاغفر لي ذنوبي ، اللَّهمّ إنّي أسألك إيمانا تباشر به قلبي ، ويقينا صادقا حتّى أعلم أنّه لن يصيبني إلَّا ما كتبت لي ، وأرضني بما قسمت لي . فأوحى اللَّه تعالى إليه : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ، ولن يأتيني أحد من ذرّيّتك فيدعوني بمثل ما دعوتني به إلَّا قد غفرت ذنوبه وكشفت همومه ، ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدّنيا وهو لا يريدها . البحث التّاسع : في حقيقة التّوبة . قال الإمام الغزالي رحمة اللَّه عليه ( 115 ) : التوبة عبارة عن معنى مركّب من ثلاثة أمور مترتبة : علم ، ثمّ حال ، ثمّ ترك . أمّا العلم فأن يعلم العبد ضرر الذّنوب وكونه حجابا بينه وبين اللَّه تعالى ، وقيدا يمنعه من دخول الجنّة ، فإذا علم ذلك بيقين غالب على قلبه فإنّ ذلك يوجب له تألَّما نفسانيّا بسبب فوات الخير العظيم المطلوب لكلّ عاقل ، فيسمّى تألمه بسبب فعله المفوّت لمحبوبه ومطلوبه ندما ، فإذا غلب هذا الألم على القلب أوجب له القصد إلى أمرين : أحدهما ترك الذنوب الَّتي كان ملابسا لها أوّلا ، والثاني العزم على ترك الذنب المفوّت لمطلوبه في المستقبل إلى آخر العمر فهذه حقيقتها ، وينشأ من ذلك تلافي ما فات بالجبر والقضاء وإن كان قابلا للجبر . والعلم هو الأصل في إظهار هذه الخيرات ، فإنّ القلب إذا أيقن بأنّ الذنوب كالسّموم المهلكة ، والحجب الحائلة بينه وبين محبوبه فلا بدّ أن يتمّ نور ذلك اليقين
--> ( 115 ) قوله : قال الإمام الغزالي . راجع احياء علوم الدين كتاب التوبة الركن الأوّل ج 4 ، ص 8 ، وتفسير الكبير للرازي ج 3 ، ص 20 ، و ( المحجة البيضاء ) للفيض الكاشاني ج 7 ، ص 3 .